|
|
الإمام سحنون بن سعيد( 160هـ-240هـ): القاضي الفقيه وصاحب المدونة
|
الإمام سحنون بن سعيد( 160هـ-240هـ): القاضي الفقيه وصاحب المدونة
1- مولده ونشأته:
هو أبو سعيد عبد السلام سحنون بن سعيد التنوخي ولد سنة 160هـ قدم والده من الشام مع الجند العرب. درس القرآن واللغة والفقه في القيروان وتونس على الإمام الأكبر الشيخ علي زياد التونسي رضي الله عنه وهو الذي يعتبر أول من جلب كتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس حيث تتلمذ عليه بالمدينة المنورة وعاد إلى إفريقية فكان الإمام سحنون أبرز وأشهر تلاميذه وخليفته الذي واصل رسالته في نشر المذهب المالكي في ربوع إفريقية ومنه انتشر بربوع الأندلس وصقلية و بلارمو و مالطا وبقية بلاد المغرب والسودان وغرب إفريقيا
2 - دراسته خارج إفريقية: يعتبر الإمام سحنون الكثربين أهل القيروان وإفريقية الذي درس على أكبر عدد من العلماء والفقهاء في أكثر من بلد .فقد اخذ العلوم عن أئمة من أهل المشرق لا يعدون كثرة فقد رحل إلى مصر واتصل بكبار علمائها من الذين درسوا على الإمام مالك مباشرة بالمدينة المنورة وفي مقدمتهم العلامة والإمام محمد بن القاسم وبإشرافه أنجز الإمام سحنون أطروحته الشهيرة في المذهب المالكي على أسس علمية صحيحة ،و في مصر أيضا درس شيخنا على أعلام كبار مثل ابن وهب وابن عبد الحكم والوليد بن مسلم وغيرهم وكانت رحلته إلى الشرق قد انطلقت سنة188ه÷ وكان عمره 28 سنة ، ثم رحل إلى المدينة المنورة وهناك سمع من عبد الله بن نافع و معن بن عيسى وأنس بن عياض والمغيرة بن عبد الرحمان ثم انتقل إلى الشام أرض أجداده حيث درس على الوليد بن مسلم من جديد وأيوب بن سويد وبعد ذلك واصل رحلته العلمية بكل حرص واجتهاد حيث رحل إلى مكة المكرمة وهناك سمع من سفيان بن عيينة وعبد الرحمان بن مهدي و وكيع بن الجراح وفحص بن غياث و يزيد بن هارون ويحي بن سليمان وأبي داود الطيالسي و أبي إسحاق الأزرق وكل هؤلاء هم أهم أعلام زمانهم وطليعة علماء الأمة بمصر والمدينة ومكة والشام وفي سنة 191هـ عاد إلى القيروان بعد أداء فريضة الحج مع محمد بن القاسم وابن وهب والأشهب وهم كبار العلماء البارزين في عصرهم وجميعهم أعجب بسحنون كما سنرى لاحقا بعد رحلة طويلة وحرص فريد على العلم أصبح الإمام سحنون أعلم العلماء وقبلة الطلاب الذين وفدوا عليه من كل مكان. وسرعان مانتهت إليه الرئاسة في العلم ولكن عليه المعول في المشكلات ومدونته عليها الاعتماد في المذهب المالكي الذي ذاع صيتها وأصبحت ولا تزال مرجعا علميا وفقهيا هاما من مراجع المذهب السني المالكي في العالم الإسلامي ، وتعتبر الأهم والأكثر شهرة بعد موطأ الإمام مالك صاحب مذهب أهل المدينة الذي انتشر في بلاد إفريقية بفضل علي بن زياد وعبدالله بن غانم والبهلول بن راشد وأسد بن الفرات والإمام سحنون ، ومن هذه الربوع الإفريقية انتشر المذهب المالكي بالأندلس وبجزر المتوسط مثل صقلية وبلارمو و مالطا وفي كامل بلاد المغرب والسودان وغرب إفريقيا والصحراء وبفضل هؤلاء العلماء الأفذاذ اجتازت هذه البلاد كل المحن واندثرت المذاهب والبدع واجتازت محنة الحكم الشيعي الذي استمر أكثر من سبعين سنة 296هـ - 368هـ ، حيث استعادت البلاد هويتها وأصالتها بعد رحيل المعز الفاطميي الخليفة الرابع إلى مصر وذلك بفضل جهود كل هؤلاء الذين عملوا بكل إخلاص وصبر واقتدار على تجذير المذهب المالكي حتى أصبح مذهب كل شعوب هذه المناطق.
3 - خصاله وثناء العلماء عليه:
ذكره الشيخ مخلوف في كتابه فقال عنه:" هو الفقيه العابد الورع ، الزاهد الإمام العالم الجليل المتفق على فضله وإمامته " .وأما ابن الدباغ فقال في تاريخه إن الإمام سحنون هو أكبر فقهاء عصره شأنا و أوحدهم إمامة وفضلا.أما أبو العرب التميمي فقد ذكر أنه الأقدم تاريخا ، وكل المصادر الموالية من كتب التراث اعتمدت عيه فقد ذكر بأن سحنون قد اجتمع فيه الفقه البارع والورع الصادق والصرامة في الحق والزهد في الدنيا .ومن ناحية ذكر ه محمد بن الحارث المعروف بالخشني في تاريخه .وكانت إفريقية قبل رحلة سحنون قد عمرت بمذهب مالك لأنه سبق أن رحل منها أكثر من ثلاثين رجلا كلهم لقي مالكا بن أنس بالمدينة المنورة ، ثم بعدهم قدم سحنون وجمع فضل الدين والعقل والورع والعفاف ، فمالت إله الوجوه وأحبته القلوب وكان سراج القيروان .وابنه محمد أكثرهم تأليفا وابن عبدوس، فقيهها وابن غانم عاقلها وجبلة بن حمود، زاهدها وحمديس القطان أصلهم في السنة وأغيرهم للبدعة ، وسعيد بن الحداد لسانها وفصيحها، وعيسى بن مسكين أرواهم للكتب والحديث وأشدهم وقارا و تصاونا على هذه الصفات ، مقصورة على وقتهم بحيث أن الخشني يؤكد أن الإمام سحنون هو واسطة عقد هذه النخبة المباركة من الأئمة الفضلاء والفقهاء الصلحاء والعلماء الأجلاء منذ تأسيس القيروان .وأنه المؤتمن على رسالتهم النضالية والجهادية وكذلك نشر فضائلهم وخصالهم والقيم النبيلة التي تربوا عليها.وهنا تبرز أهمية الإمام سحنون الإنسانية حيث يقول أنه مع كل هذه الهمة وهذا العلم وهذا الدور الريادي في نشر العلم والفضائل فقد كان رقيق القلب ، غزير الدمع ،ظاهر الخشوع ، متواضعا قليل التصنع كريم الأخلاق ، حسن الأدب ، وقد سئل أستاذه وصديقه أشهب وقد تطورت صلته به بعد أن أديا فريضة الحج مع ابن وهب وابن القاسم قائلا:" ما قدم إلينا من بلاد المغرب مثله "وقال "علم زمانه ، ورافع لواء العلم والفقه بمصر .هذا قليل من كثير من قيمة هذا العالم الجليل والفقيه البارع
|
ولايته للقضاء:
تولى سحنون القضاء سنة مائتين وأربع وثلاثين وكانت ولايته استجابة من الله لدعوة دعاها على سلفه القاضي ابن أبي الجواد وكان هذا القاضي معروفا بالجور والظلم والانحراف عن المنهج القويم والتسلط على الضعاف من خلق الله وقد تبرم بسلوكه الخاص والعام فقد مر سحنون ذات يوم بابن أبي الجواد فرأى منه ظلما فقال سحنون “اللهم لا تمتني حتى أراه بين يدي قاض عدل... يحكم فيه بالحق” وما درى سحنون ان هذه الدعوة قد وافقت ساعة إجابة وان هذا القاضي العدل إنما هو سحنون.
ولم يكن سحنون راغبا في تولي هذه الخطة الخطيرة وما كان يرى نفسه أهلا لها ولكن الامير محمد ابن الأغلب بعد ان استشار الفقهاء وجدهم يكادون يجمعون على أهليته وأهلية سليمان بن عمران ولكن هذا الامير قال بكل تجرد: “ما ظننت انه يشاور في سحنون فرأيت أهل مصر يتمنون كونه بين اظهرهم وما يستحق احد القضاء وسحنون حي”. ولما اعلم سحنون بالقرار والاختيار عليه تمنع وتملص وقال انه لا يقوى على تولي القضاء فأغلظ عليه محمد بن الأغلب اشد الغلظة وحلف عليه بأشد الإيمان. أذعن سحنون للأمر لما علم ان لا مفر منه واشترط على الامير شروطا أراد بها ان يعفي نفسه يقول سحنون: "لم أكن أرى قبول ذلك الأمر حتى كان من الامير معنيان احدهما إعطاء كل ذي حق حقه وأطلق يدي في كل ما رغبت حتى إني قلت: أبدأ بأهل بيتك وقرابتك وأعوانك فان قبلهم ظلامات للناس وأموالا لهم منذ زمان طويل إذ لم يجترئ عليهم من كان قبلي. فقال لي : نعم لا تبدأ إلا بهم واجر الحق على مفرق رأسي. فقلت له : الله ! قال لي : الله ثلاثا. وجاءني من عزمه مع هذا ما يخاف المرء على نفسه وفكرت فلم أجد أحدا يستحق هذا الأمر ولم أجد نفسي سعة في رده". وبلغ به الغم والحزن لعظم الأمر عليه إن أحدا من الناس لم يتجرأ ان يهنيه واكتفى بان قال لابنته خديجة وهي امرأة فاضلة تقية لما دخل عليها بعد توليته ( اليوم ذبح أبوك بغير سكين ) والتزم سحنون بان يقوم بهذا الهمل لوجه الله ورفض ان يأخذ لنفسه رزقا أو عطية من السلطان. التزم سحنون بإقامة العدل بين الناس وإيصال الحقوق إلى أصحابها فكان لا يتردد عن ضرب الخصوم إذا أذى بعضهم بعضا بكلام وكان يمكن من أصابه رعب من مجلس القضاء من فرصة الاستئناس بالإعراض عنه وهون عليه ثم قال له “ليس معي سوط ولا عصا ولا عليك باس إذا ما علمت ودع ما لا تعلم”. وكان سحنون يقاوم كل المنكرات فيؤدب على الأيمان التي لا تجوز كالطلاق وحتى لا يحلف الناس بغير الله ويراقب مظاهر الناس في ملابسهم وينهاهم عما يخالف حسن الحال وجمع سحنون إلى القضاء الحسبة فلاحق المنكرات في الشوارع والأسواق وأماكن اجتماع الناس فنظر في الغش في السلع والبضائع ونصب أمناء للأسواق وتولى تأديب من يستحق ذلك. وكانت لسحنون مواقف حازمة مع أصحاب البدع والأهواء من الطوائف والفرق الخارجة على مذهب أهل السنة. ففرق أهل البدع وأخرجهم من الجامع وشرد الفرق الضالة وكانوا قبل ولاية سحنون للقضاء ينشرون بين الناس ضلالاتهم وزيفهم ويفسدون على العامة دينهم ويحرفون لهم عقيدتهم الصافية النقية وكان ذلك يقع منهم في المساجد بدون تخف ولا تستر. وكان هذا الموقف من سحنون شجاعا ذلك ان أمراء الدولة الأغلبية في ذلك الوقت كانوا متجاوبين مع بعض هذه الدعوات مقربين لرؤسائها ودعاتها ولم يكن مع سحنون في هذا المنهج الذي ارتضاه لنفسه إلا التجاوب الشعبي والتعلق المخلص والصادق بمذهب أهل السنة والجماعة. منع سحنون دعاة الفرق والطوائف والمذاهب والنحل من تولي المهام الدينية والعلمية كأن يكونوا أئمة أو مؤذنين أو مؤدبين حتى لا تتعدى شرورهم إلى غيرهم من عموم الناس وكان يؤدب من خالف أوامره ويطوف بهم الشوارع تأديبا لهم وترهيبا لسواهم ممن قد تحدثهم أنفسهم بإتباع منهاجهم وكثيرا ما دفع مثل هذا التعزير من بقيت في نفسه بقية من إيمان إلى التوبة النصوح. وكان سحنون يضرب بدرته من استحق التأديب ويقيم الحدود على من استوجبت إقامتها عليه. ولم يكن سحنون ليغفل عن بسائط الأمور ومستصغرها فينقل من يسوء سلوكهم إلى جوار قوم صالحين وكان يأمر بمنع كل ما يمكن ان يلحق ضررا بالمجموعة وبلغ به الأمر إلى حد الأمر بقتل الكلاب. ولم يكن سحنون يخشى في الله لومة لائم وما كان يعظم في عينه أي عظيم. قال أبو العرب : كان لا يهاب سلطانا في حق يقيمه عليه ولما أكثر من رد الظلامات من رجال ابن الأغلب وأبى ان يقبل منهم الوكلاء على الخصومة الا بأنفسهم وجه إليه الامير وقد شكوه إليه بأنه يغلظ عليهم فأرسل إليه ابن الأغلب وقال : أنهم فيهم غلظة وقد شكوك ورأيت معافاتك من شرهم فلا تنظر في أمرهم. فقال سحنون للرسول : ليس هذا الذي بيني وبينه قل له خذلتني خذلك الله. فلما أنهى الرسول الرسالة إلى الامير قال له ما نعمل ؟ إنما أراد الله وقال ابن الحارث: قيل لسحنون: هذا منصور دخل تونس بالحرائر فركب وانتزع منه ما بيده فدخل منصور على ابن الأغلب وقد شق ثوبه وشكا إليه ما نزل فأرسل ابن الأغلب إلى سحنون ان تصرفهم على منصور، مرة وثانية وثالثة. فقال : لا افعل. واقبل ابن الأغلب حتى دنا من موضع سحنون وضربت له قبة نزل فيها وقد استشاط غيظا لمصادمته إياه على منصور ودعا فتى فقال له اذهب إلى سحنون فقل له اردد السبي على منصور وإلا فائتني برأسه. فجاء الفتى إلى سحنون يبكي ويتضرع ويقول : أمرت فيك بعظيم. فاخذ سحنون رقا فكتب بعد الاسم “ويا قوم مالي ادعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار” الآية ودفع الكتاب للفتى ثم قال: ادفعه لابن الأغلب فلما قرأه أمر برفع مضربه واحتجب ثلاثا ثم قال لمنصور: سلني عما شئت من جوابك واعرض عن خبر سحنون. وكان ابن الأغلب يقول في قضيته مع سحنون. ان سحنون لم يركب لنا دابة ولا أثقل كمه بصرة فهو لا يخافنا. وكان لهذه المواقف الجسورة في الحق أثارها على حساده الذين سعوا بكل جهودهم من اجل الوقيعة بينه وبين الأمراء وكان على رأس هؤلاء ابن أبي الجواد المعتزلي القائل بخلق القرآن وبلغ المكر والكيد بابن أبي الجواد إلى درجة أوغر بها صدر الامير زيادة الله الا غلبي الذي دعا عامله على القيروان إلى ضرب سحنون بخمسمائة سوط وحلق رأسه ولحيته لولا ان وزيره علي بن حميد حذره من مغبة الإهلاك نظير مع وقع للعكي عندما ضرب البهلول بن راشد. وكان سحنون يرى في ذلك المنة والفضل لله وحده الذي سخر من يشاء من عباده لصرف الشر والضرر عن أوليائه. وامتحن سحنون عند تولي احمد بن الأغلب الإمارة وإلزام الناس بالقول بخلق القرآن وأرسل من يلاحق سحنون عند عبد الرحيم الزاهد واختار لذلك رجلا يبغض سحنون ويكرهه وهو ابن سلطان الذي تغير موقفه من سحنون بمجرد أن وصله وعبر عن استعداده لبذل دمه فداء لسحنون فأبى سحنون وشكره ثم رافقه إلى الأمير وسط دعوات أصحاب سحنون وتلاميذه بالهلاك على هذا الأمير الظالم.وسئل سحنون عن القرآن فأجاب بحضور رؤوس الاعتزال الذين كانون محيطين بالأمير ( أما شيء أبتديه من نفسي فلا ولكني سمعت من تعلمت منه وأخذت عنه كلهم يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق ). فقال ابن أبي الجواد: كفر فاقتله ودمه في عنقي وقال غيره مثله وقال آخرون: يقطع أربعا ويجعل كل ربع بموضع من المدينة ويقال هذا جزاء من لم يقل بكذا. ورأى بعض أصحاب السلطان من رجال السنة أن يلزم داره فلا يفتي ولا يسمع أحدا فوقع الاتفاق على ذلك. وتعرض سحنون وهو في طريقه إلى قصر الأمير إلى محاولات مبيتة لقتله بطرق مختلفة ولكن الله نجاه منها. لقد كان سحنون ورعا تقيا عالما عازفا عن الحياة الدنيا وبهارجها مؤثرا ما بين يدي الله قال حمديس: دخلت عليه يوما وهو يأكل خبزا يبلله في الماء ويغطسه في الملح فقال: أما إني لم أكله زهادة في الدنيا ولكن لئلا احتاج إلى هؤلاء فأهون عليهم ثم صاح بجارية فاتت بصرة فيها عشرون دينارا فقال: ادفعه لثلاثة رجال صالحين ممن يسكن عندهم فان لم تجد فإلى اثنين فان لم تجدهما فإلى واحد. ولو نحن واصلنا استعراض مواقفه لاستغرق ذلك منا الحيز الواسع لكننا لن ننهي الكلام دون أن نذكر ان سحنون يرجع إليه الفضل في هذه الديار الإفريقية إلى توحيد وتركيز مذهب الإمام مالك ونشره في هذه الربوع بعد ان تلقاه عن تلاميذ الإمام. إذ ان الفقر هو الذي أقعده عن إدراك الإمام مالك. وضمنه في موسوعته الخالدة المدونة الكبرى أساس المذهب المالكي وعموده الفقري واللائحة المبينة والمفصلة للموطأ أول كتاب دون بعد كتاب الله العزيز والإمام سحنون يرجع إليه الفضل في تكوين من تخرج من القيروان وافريقية وما وراءهما من علماء أعلام نشروا الإسلام وحافظوا على أصوله وأناروا للأمة الطريق المستقيم حتى غذت بحمد الله ولا تزال على المحجة البيضاء التي لا يزيغ عنها إلا هالك. رحم الله الإمام سحنون وجازاه الله عن أمته ودينه وأهل افريقية خير الجزاء. وكانت وفاة سحنون في سنة أربعين ومائتين للهجرة ودفن بالقيروان وقبره معروف هناك.
|
ثناء العلماء عليه:
قال أشهب:
ما قدم علينا أحد مثل سحنون وقال: سحنون أفقه من أسد
(يعنى بن الفرات) بتسع وتسعين مرة.
قال يونس بن عبد الأعلى: سحنون سيد أهل المغرب.
قال ابن عجلان الأندلسي:
ما بورك لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه ما بورك لسحنون في أصحابه فإنهم كانوا في كل بلد أئمة.
قال عيسى بن مسكين:
سحنون راهب هذه الأمة ولم يكن بين مالك وسحنون أحد أفقه من سحنون.
قال الذهبي:
لازم ابن وهب وابن القاسم وأشهب
حتى صار من نظرائهم وساد أهل المغرب فى تحرير المذهب
(مذهب مالك) وانتهت إليه رئاسة العلم وعلى
قوله المعول بتلك الناحية،
وكان موصوفًا بالعقل والديانة الامة والورع مشهورًا بالجود والبذل وافر الحرمة عديم النظير.
من أحوال وأقواله: قال سحنون:
من لم يعمل بعلمه لم ينفعه علمه بل يضره.
قال: إذا أتى الرجل مجلس القضاء ثلاثة أيام متوالية بلا حاجة فينبغي أن لا تقبل شهادته.
سُئِل:
أيسع العالم أن يقول: لا أدري فيما يدري؟
قال:
أما ما فيه كتاب أو سنة ثابتة فلا، وأما ما كان من هذا الرأي فإنه يسعه ذلك لأنه لا يدري أمصيب هو أم مخطئ.
قال:
أكل بالمسكنة ولا أكل بالعلم، محب الدنيا أعمى لم ينوره العلم، ما أقبح بالعالم أن يأتي الأمراء، والله ما دخلت على السلطان إلا وإذا خرجت حاسبت نفس فوجدت عليها الدرك، وأنتم ترون مخالفتي لهواه، وما ألقاه به من الغلطة، والله ما أخذت ولا لبست لهم ثوبًا.
قال:
كان بعض من مضى يريد أن يتكلم بالكلمة ولو تكلم بها لانتفع بها خلق كثير فيحسبها ولا يتكلم بها مخافة المباهاة وكان إذا أعجبه الصمت تكلم.
قال: أجرأ الناس على الفيتا أقلهم علمًا.
قال: أنا أحفظ مسائل فيها ثمانية أقاويل من ثمانية أئمة، فكيف ينبغي أن أعجل بالجواب؟
يعني حتى ينظر في أرجحها بالدليل.
قال: ما وجدت من باع آخرته بدنيا غيره إلا المفتي.
دخل سحنون على ابن القصار وهو مريض فقال:
ما هذا القلق؟ قال له: الموت والقدوم على الله،
قال له سحنون:
ألست مصدقًا بالرسل وبالبعث والحساب والجنة والنار،
وأن أفضل هذه الأمة أبو بكر ثم عمر،
والقرآن كلام الله غير مخلوق،
وأن الله يَرى يوم القيامة، وأنه على العرش استوى،
ولا تخرج على الأئمة بالسيف وإن جاروا؟
قال: إي والله فقال: مت إذا شئت، مت إذا شئت،
قلت:
جمع الإمام فى هذا الكلام القليل عقائد أهل السنة والجماعة فيما تخالف فيه إحدى الطوائف المبتدعة من الدهرية والرافضة والجهمية والمعتزلة والخوارج وغيرهم
نسأل الله أن يحفظ علينا ديننا.
قال سحنون لأصحابه: كبرنا وساءت أخلاقنا ويعلم الله ما أصبح عليكم إلا لأؤوبكم.
قلت: صدق من قال:
نقسها لينزجروا ومن يك ذا حزم فليقسو أحيانا على من يرحم.
قال: حججت زميل ابن وهب،
قلت: فهذه منزلة عظيمة ابن وهب الإمام.
قال: إني حفظت هذه الكتب حتى صارت في صدري كأم القرآن.
قال: إني لأخرج من الدنيا ولا يسألني أحد عن مسألة قلت فيها برأيي وما أكثر ما لا أعرف.
قال: سرعة الجواب بالصواب أشد فتنة من فتنة المال،
قلت: لأن ذلك يؤدى إلا الإعجاب بالنفس الذي يخرج بصاحبه عن الإخلاص.
قيل إن طالبًا قال: رأيت في النوم كأن سحنونًا يبني الكعبة،
قال: فغدوت إليه فوجدته يقرأ للناس مناسك الحج الذي جمعه.
قال عبد الجبار بن خالد:
كنا نسمع من سحنون بقريته
فصلى الصبح وخرج وعلى كتفه محراث وبين يديه زوج بقر
فقال لنا: حُمّ الغلام البارحة فأنا أحرث عنه اليوم وأجيئكم، فقلت: أنا أحرث عنك، فقرّب إليّ غداءه خبز شعير وزيتًا.
قيل إن الأمير زيادة الله، بعث يسأل سحنونًا عن مسألة فلم يجبه، فقال له محمد بن عبدوس: اخرج من يلد القوم، أمس ترجع عن الصلاة خلف قاضيهم واليوم لا تجبهم؟ قال: أفأجيب من يريد أن يتفكه يريد أن يأخذ قولي وقول غيري، ولو كان شيئًا يقصد به الدين لأجبته.
قال أبو داود العطار: باع سحنون زيوتًاً له بثمان مئة فدفعها إليّ ففرقتها عنه صدقة.
كان سحنون إذا قرئ عليه "مغازى" ابن وهب تسيل دموعه، وإذا قرئ عليه "الزهد" لابن وهب يبكي.
قيل: كان يحضر مجلس سحنون من العُبّاد أكثر من الطلبة، كانوا يأتون إليه من أقطار الأرض ولما ولي القضاء بأخرة عوتب فقال: ما زلت في القضاء منذ أربعين سنة هل الفتيا إلا الضعفاء.
وفي تاريخ القيروان لأبي بكر بن محمد المالكي:
قال أبو العرب: اجتمعت في سحنون خلال قلما اجتمعت في غيره: الفقه البارع، والورع الصادق، والصرامة في الحق، والزهادة في الدنيا والتخشن في الملبس والمطعم، والسماحة، كان ربما وصل إخوانه بالثلاثين دينارًا وكان لا يقبل من أحدٍ شيئًا، ولم يكن يهاب سلطانًا في حقٍ، شديدًا على أهل البدع انتشرت إمامته وأجمعوا على فضله، قدم به أبوه مع جند الحمصيين وهو من تنوخ صليبة.
قال:
كنت عند ابن القاسم وأجوبة مالك ترد عليه
فقال لي: ما يمنعك من السماع منه؟
قال: قلت قلة الدراهم،
وقال مرة: ألجأ إليه الفقر فلولاه لأدركت مالكًا.
"والمدونة"
في فقه الإمام مالك التي اشتهر بها سحنون قال الذهبي:
أصلها أسئلة سألها أسد بن الفرات لابن القاسم،
فلما ارتحل سحنون بها عرضها على ابن القاسم
فأصلح فيها كثيرًا وأسقط ثم رتبها سحنون وبوبها واحتج لكثير من مسائلها بالآثار من مروياته مع أن فيها أشياءً لا ينهض دليلها، بل رأى محض ،
وحكوا أن سحنون في أواخر الأمر
علّم عليها وهمّ بإسقاطها وتهذيب "المدونة،
أدركته المنية رحمه الله فكبراء المالكية،
يعرفون تلك المسائل ويقررون منها ما قدروا عليه ويوهنون ما ضُعف دليله،
فهي لها أسوة بغيرها من دواوين الفقه،
وكل أحد فيؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب ذاك القبر صلى الله عليه وسلم تسليمًا
فالعلم بحر لا ساحل وهو مفرّق في الأمة موجود لمن التمسه. اه.
وفاته:
توفى رحمه الله سنة أربعين ومائتين وله ثمانون سنة.
فوائد ملتقطة من الترجمة:
1 الحذر من العلم الذي لا يتبعه عمل فأهل العلم هم العباد.
2 التحذير من كتمان العلم وهو ما دل عليه الدليل من الكتاب والسنة.
3 القول بالحق سمة أهل العلم ولا يخشون في الله لومة لائم.
4 من كان على عقيدة السلف الصالح الصافية النقية فليمت متى شاء فلا خوف عليه.
5 أهل العلم السابقون كان يحفظون كتبهم كما نحفظ القرآن.
6 الفقر كان سمة الفقهاء
وهم أزهد الناس في الدنيا وقد قيل للفقير أين أنت مقيم قال في عمائم الفقهاء.
إن بيني وبينهم لإخاءً
وعزيز على قطع الإخاء
7الإخلاص في الأقوال والأفعال شرط في صحتها
وهكذا كان السلف
لا يتكلمون ولا يسكتون إلا لمخالفة حظ النفس
فإن رأى لنفسه حظًا في الكلام سكت وإن رأى حظًا لها في السكوت تكلم.
والله تعالى أعلم
|